ابن كثير

303

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه ، فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ حتى بلغ يَشْكُرُونَ [ إبراهيم : 37 ] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال : يتلبط « 1 » - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي : رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فلذلك سعى الناس بينهما » فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت « صه » - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا ، فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه ، أو قال : بجناحه ، حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوّضه « 2 » وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ، قال ابن عباس : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا » « 3 » قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ، فإن هاهنا بيتا للّه يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن اللّه لا يضيع أهله ، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء ، فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائرا عائفا « 4 » ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا أو جريين « 5 » ، فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا ، قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء عندنا ، قالوا : نعم ، قال ابن عباس : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس » فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم ، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، وشب الغلام وتعلم العربية منهم ، وأنفسهم « 6 » وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل ليطالع تركته « 7 » فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت :

--> ( 1 ) أي يتمرّغ . ( 2 ) أي تجعل له حوضا يجتمع فيه الماء . ( 3 ) قوله : « يرحم اللّه أم إسماعيل . . . عينا معينا » منسوب في المسند إلى ابن عباس لا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ( 4 ) عاف الطائر : دار حول الشيء يريد الوقوع عليه . ( 5 ) أي رسولا أو رسولين . ( 6 ) أنفسهم وأعجبهم بمعنى . ( 7 ) أي زوجته وابنه ، لما تركهما بمكة .